مقطع من رواية موت المجنون, / بقلم حميد المصباحي
مقطع من رواية موت المجنون,
.السلطة بخرافاتها تصنع لنفسها تاريخا، والمجتمع بتصديقه يخلق جنونه،يصادق عليه بالزوايا والأضرحة، تلك متاهات الهوية كما أريد لها أن تعاش.
الذي عاد إليه,لا يدري كيف,و لا متى,تشابهت في روحه الأيام و انكسر الزمن رغم امتداده نحو الماضي و الحاضر في حركة غريبة,جعلت حياته سديما بما يعتريه من خيالات تتيه به,كأنه يعاقب على محاولات تذكره لماضيه,و طفولته,لا يستطيع النسيان لأنه لا يذكر شيئا,إلا تلك الانتقالات المريبة من مكان إلى آخر,و ربما من جسد إلى آخر,أحيانا يهرب الإنسان من واقع يرفضه,لكنه بذلك قد يهرب حتى من ذاته,و يغدو شخصا آخر,لن يفلح في التعرف على نفسه حتى إن تذكر الآخرين,إنها محنة غريبة,قد تعيشها أمة بكاملها,أو جماعة فقدت صلتها بما كانته فتوتر وجودها,معلنة بحثها عن ضياعها,و انصهارها في كل مغاير لها تما هيا معه,حتى إن كان معول انقراضها,غير أن علال لم يتماها مع أحد,لأنه لم يعثر عليه بعد,رغم أن صورة عباس هي أوضح الصور في ذهنه,لأنه رآه و لم يتذكره لما قابله بالمستشفى,حيث ادعى الحنون كحل لمشكل لا أحد غيره عرفه,ليرحل بعيدا عن عالم مله,فضجر من عقله و قرر تحريره,سأله السجين بصوت متعب,
ـ لماذا قدمت شهادة اغتصاب لفتاة أراد والدها تزويجها؟
ذهل علال,لم يتمالك نفسه,لم يجب,لكنه سال,
ـ من أخبرك بهذا الحادث؟
ـ أنت,هل نسيت؟
ـ نعم,المهم,الفتاة لم تبلغ سن الزواج,و لذلك نزفت حتى الموت,و كان علي أن أقوم بواجبي ,ففعلت,
51
ـ واجبك,هل رأيت أين قادك هذا الواجب طبيب في السجن متهم بتسميم بئر قبيلة تفانى في خدمتها فتنكرت له,و شهد سكانها زورا ضده,
ـ أنا لا ألومهم,إنهم يخافون كل من له علاقة بالسلطة حتى لو كان كذابا أو دجالا,و السلطة عمياء,تصدق عميانها و أذنابها و لا ترى إلا بعيونهم,
ـ صدقت يا بني,إنها صماء,لا تسمع عويل المشتكين,لكنها تنصت جيدا للمداحين,الذين يمجدونها,استراح علال لصاحبه,فتحفز للسؤال,تردد قليلا,أمسك بقضبان الزنزانة متنهدا,كانت زفرة همومه غاضبة,سحق خوفه بتحد عندما لمح أملا مطلا من خلف الجدران الباردة,السجن ليس كهفا يهرب منه متى شاء, و هذا السجين ليس كإسماعيل غامضا و حادا,المكان مأوى,كل شيء في مفروض عليه, الجار و الطعام,لا سلطة لك إلا الكلام و تلك الخطوات الضيقة التي تفصل بين الجدران,عليك أن تعيش حرية محروسة بأعين و أياد لا تجيد غير الجر و التنكيل بمن يحلمون بحرية أكثر,أو يتمردون على نظام الاستكانة و الانتظار القاتل,السجين ظلما يرى العالم كقيود,سجن جدرانه عاتية,لا يفكر في الفرار إلا إن رغب في الموت,يعتبر نفسه دفينا بغير كفن و لا قبر,ميت لا يعني له الانتحار أكثر من الحصول على شهادة وفاة,آلام الموت أرحم من آلام الظلم الذي يشعر به,كما المجنون المحتجز بين عقلاء,يسخرون منه حتى بعطفهم عليه,كما هو أمر عاقل متهم بالجنون,لكن علال مظلوم و مجنون يفكر,فقط
52
في هويت الضائعة,لا أحد يشبهه,يعاني ناسيا جزءا من معاناته و أفراحه,كل الناس يعودون لماضيهم لحظات الضعف و الضياع,أما هو فيعيش اللحظة متنقلا إلى أماكن لا يعرف كيف وصل إليها ها هو في سجن لم يلج إله من بوابته الحديدية,و لا يذكر المحاكمة و لا وجوه القضاة و شهود الزور الذين واجهوه,إنه ظلم مضاعف,لا يطاق,الجنون و الموت أقل هولا منه,إنه عدم,حيث الذات تحترق به و تهيم إليه,تبحث عن وجهة الزمن,تمضي ماشية لا تعرف هل تتقدم أم تتراجع إلى الخلف,حلمها الوحيد أن تعي زمن وجودها المنهار,لترممه و تقبل به أو ترفضه,مهشمة أبوابه الموصدة, و نوافذه المغلقة,تحلم بخلاص ينجيها من اغترابها,و انسيابها عند التلاشي لأنها دون وجهة,و دون ذكرى تحتمي بها من قسوة الوحدة,و همجية العزلة المفروضة ليس بقضبان الحديد بل بما ضاع منها سرا و هي تعبر خوفها بحثا عما تبقى منها
وقف الحارس ببذلته الزرقاء و نظراته القاسية كمحارب,مختالا ببطولاته,فتح باب الزنزانة بغضب و صاح,
ـ علال السائحي,لديك زيارة,ضع يديك خلف ظهرك و تقدم ببطء,لا تلتفت و لا تتكلم,
خرج من زنزانته, و الحارس وراءه,يرشده عبر الممر الضيق,إلى أن أدخله قاعة مسيجة بقضبان,منها يطل السجناء على زوارهم و يتبادلون معهم الحديث,أصوات متعالية و نظرات شاردة و أخرى متفحصة,وقف علال يحملق
53
في الزوار حائرا إلى أن سمع اسمه,وقعت عيناه على عائشة زوجته,فاندهش,كانت تلوح بيديها,سألها و يداه ترتعشان,
ـ ماذا وقع,ألم أكن معك بالأمس و قد أخبروني أنني خرجت من السجن,فكيف عدت إليه؟
ـ أنت مسجون منذ سنتين,و سوف تغادر السجن بعد أشهر, لا تقلق,كل شيء...,
لم يكن ينصت لها, تجمد في مكانه,منسلا من بين السجناء عاد منحملا على قدميه, ساقه الحراس في صمت إلى زنزانته حاول ترتيب ما علق بذاكرته,لم يجد بها إلا صورا متعبة في شتاتها,لم يفرح بقرب خروجه من السجن,لأن حريته لن تكتمل إلا بتاريخ صراعه من أجلها,كيف يحبها و هو لم يعشها,لا يذكر دفاعه عنها ,كل ما يعرفه كان عن طريق الآخرين,حكوا له عن نفسه, حياته و عمله ,صدقهم رغما عنه ,لا يتذكر بطولاته و لا هزائمه,حياته لحظات متقطعة, لا أثر فيها لما كانه,هل يكذبون عليه؟,أم يمارون لئلا يزعجوه,كل واحد ممن قابلهم يحكون له ما يجهل,و هو تائه عن نفسه,كمعتوه في عرس يلهو,و الناس يعتقدون أنه يرقص مرحا,سأل علال نفسه بصوت عال
ـ <<من أنا,هل يمكن أن أكون مجرد وهم من عظم و لحم ,هل أنا مجنون أم عاقل,هل أعيش في عالم غير هذا العالم؟>
كان صوته يرتفع مدويا,و يداه تمسكان برأسه كأنه يريد اقتلاعه,تألم و هو يشد شعره بيديه ليتأكد أنه هو,علال الطبيب,الرجل الذي يخفف عن مرضاه آلامهم بلسانه قبل
54
عقاقير المرض, هو من كان يعين الفقراء بماله,و ينتقل إلى بيوتهم ليلا إن عجزوا عن زيارته بالمستشفى,كان ينصت لحكاياتهم عن قبيلة الذئاب,التي جن سكانها عندما شربوا ماء البئر المردوم,فتاهوا,و تمردوا قديما,تحولوا إلى قطاع طرق,بعد أن باعوا أراضيهم و تركوها,يلوثون مياه الآبار بماء البئر المردوم,لينتقل سعار الحمق إلى كل الناس,فيتركوا مساكنهم و مراعيهم و يتشردوا باحثين عما يروي ظمأهم و جوعهم,ينهبون و يقتلون,صارت القبائل أقل تسامحا مع الغرباء,و أكثر عدوانية تجاه بعضها,أخبرهم علال أن الجنون غير معدي,و أن قبيلة الذئاب ليست إلا إشاعة أطلقها أعوان الاستعمار للاستحواذ على الأراضي و تشريد أهلها,لأنهم رفضوا التعاون معهم,و بعد انسحاب المستعمر تحالف المعمرون مع حراسهم لتخويف القبائل من بعضها و شل تعاونها بملاحقة متمرديها و اعتبارهم مجانين من قبيلة الذئاب أو ممن أصابتهم عدوى الذئاب,لم يفهم الناس تفسيرات علال,لكنهم صدقوه,و تداولوا كلامه مكررا,حفظوه ,فاستاء أعيان القبائل,و لم يجرؤ أحد منهم على اتهام طبيب بالحمق لأنه كان يشفي المرضى كلهم ما عدا مرضى قبيلة وادي الثعابين لأنهم لا يصدقونه إلا لعوز,عباس واجههم,أراد أن يشفي أرواحهم المعتلة بخرافات يستكينون لها لدفع الشرور عن قبائلهم و جلب الخيرات لها بالقرابين و التبرك بأضرحة الصالحين,و لأنه من قبيلة وافدة عليهم رفضوا نزقه و تطاوله على بركاتهم الموروثة,إنهم شرفاء و هو عامي
55
مهما أوتي من علم,فالحكمة نورث كالسلطة في عرفهم,و لا يجوز للعامي أن يحدث و يرشد الناس في أمور دينهم المحتكر,لذلك كادوا له ,هو لا يشفي أمراض أجسادهم,لأنهم لا يستطيعون معها صبرا,الآلام البدنية يعترفون بها , يلجأ ون للأدوية عندما لا تجدي التمائم و طلاسم الدجالين
و السحرة,أما أمراض أرواحهم فلا يعرفون منها إلا الجنون لأن جهالتهم علم لا يجيده إلا من سخر له بالوراثة كسر لا يطلع عليه احد حتى لا يبطل فعله,فيغضب حراسه و ينتقمون ممن مسوا قداسة السر بإفشائه أو عدم تصديقه,و دفعا لهذا الضرر ,تأتي القبائل العامية لزيارة الشرفاء محملين بالهدايا مع ذبيحة ينحرونها على عتبة الضريح و توزع لحومها على الأسر لتعد بها الولائم ,تقدم للزوار المسمون خداما,راغبين في التقرب من أحفاد الولي,حافظين لسره في موسم التبرك و الدعاء,إنها عادة قديمة,لها طقوسها و هالاتها رغم ما يعتريها من صراعات خفية,يدعمها الأعيان,بحضورهم و أموالهم,ينصتون للدعاء و يتقدم أمام جماعة الشرفاء كل مظلوم ضاع حقه,يجثو على ركبتيه مطالبا بالقصاص الإلهي ممن تطاولوا على حقوقه,نساء محرومات من الأطفال عقيمات يمنين النفس بحمل يذيب كدرهم لتخصب الأرحام بأجنة طال انتظارها,ببكين ابتهالا بحرقة و شوق,ينشدن الأمومة قبل جفاف الأرحام و ترهل الأجساد المنهكة عملا و خوفا,يأخذن أتربة الضريح لنثرها على أفرشة الزواج,تيمنا بها,بل حتى الصغيرات يضعنها في الحناء لأجل الزواج ,.
.السلطة بخرافاتها تصنع لنفسها تاريخا، والمجتمع بتصديقه يخلق جنونه،يصادق عليه بالزوايا والأضرحة، تلك متاهات الهوية كما أريد لها أن تعاش.
الذي عاد إليه,لا يدري كيف,و لا متى,تشابهت في روحه الأيام و انكسر الزمن رغم امتداده نحو الماضي و الحاضر في حركة غريبة,جعلت حياته سديما بما يعتريه من خيالات تتيه به,كأنه يعاقب على محاولات تذكره لماضيه,و طفولته,لا يستطيع النسيان لأنه لا يذكر شيئا,إلا تلك الانتقالات المريبة من مكان إلى آخر,و ربما من جسد إلى آخر,أحيانا يهرب الإنسان من واقع يرفضه,لكنه بذلك قد يهرب حتى من ذاته,و يغدو شخصا آخر,لن يفلح في التعرف على نفسه حتى إن تذكر الآخرين,إنها محنة غريبة,قد تعيشها أمة بكاملها,أو جماعة فقدت صلتها بما كانته فتوتر وجودها,معلنة بحثها عن ضياعها,و انصهارها في كل مغاير لها تما هيا معه,حتى إن كان معول انقراضها,غير أن علال لم يتماها مع أحد,لأنه لم يعثر عليه بعد,رغم أن صورة عباس هي أوضح الصور في ذهنه,لأنه رآه و لم يتذكره لما قابله بالمستشفى,حيث ادعى الحنون كحل لمشكل لا أحد غيره عرفه,ليرحل بعيدا عن عالم مله,فضجر من عقله و قرر تحريره,سأله السجين بصوت متعب,
ـ لماذا قدمت شهادة اغتصاب لفتاة أراد والدها تزويجها؟
ذهل علال,لم يتمالك نفسه,لم يجب,لكنه سال,
ـ من أخبرك بهذا الحادث؟
ـ أنت,هل نسيت؟
ـ نعم,المهم,الفتاة لم تبلغ سن الزواج,و لذلك نزفت حتى الموت,و كان علي أن أقوم بواجبي ,ففعلت,
51
ـ واجبك,هل رأيت أين قادك هذا الواجب طبيب في السجن متهم بتسميم بئر قبيلة تفانى في خدمتها فتنكرت له,و شهد سكانها زورا ضده,
ـ أنا لا ألومهم,إنهم يخافون كل من له علاقة بالسلطة حتى لو كان كذابا أو دجالا,و السلطة عمياء,تصدق عميانها و أذنابها و لا ترى إلا بعيونهم,
ـ صدقت يا بني,إنها صماء,لا تسمع عويل المشتكين,لكنها تنصت جيدا للمداحين,الذين يمجدونها,استراح علال لصاحبه,فتحفز للسؤال,تردد قليلا,أمسك بقضبان الزنزانة متنهدا,كانت زفرة همومه غاضبة,سحق خوفه بتحد عندما لمح أملا مطلا من خلف الجدران الباردة,السجن ليس كهفا يهرب منه متى شاء, و هذا السجين ليس كإسماعيل غامضا و حادا,المكان مأوى,كل شيء في مفروض عليه, الجار و الطعام,لا سلطة لك إلا الكلام و تلك الخطوات الضيقة التي تفصل بين الجدران,عليك أن تعيش حرية محروسة بأعين و أياد لا تجيد غير الجر و التنكيل بمن يحلمون بحرية أكثر,أو يتمردون على نظام الاستكانة و الانتظار القاتل,السجين ظلما يرى العالم كقيود,سجن جدرانه عاتية,لا يفكر في الفرار إلا إن رغب في الموت,يعتبر نفسه دفينا بغير كفن و لا قبر,ميت لا يعني له الانتحار أكثر من الحصول على شهادة وفاة,آلام الموت أرحم من آلام الظلم الذي يشعر به,كما المجنون المحتجز بين عقلاء,يسخرون منه حتى بعطفهم عليه,كما هو أمر عاقل متهم بالجنون,لكن علال مظلوم و مجنون يفكر,فقط
52
في هويت الضائعة,لا أحد يشبهه,يعاني ناسيا جزءا من معاناته و أفراحه,كل الناس يعودون لماضيهم لحظات الضعف و الضياع,أما هو فيعيش اللحظة متنقلا إلى أماكن لا يعرف كيف وصل إليها ها هو في سجن لم يلج إله من بوابته الحديدية,و لا يذكر المحاكمة و لا وجوه القضاة و شهود الزور الذين واجهوه,إنه ظلم مضاعف,لا يطاق,الجنون و الموت أقل هولا منه,إنه عدم,حيث الذات تحترق به و تهيم إليه,تبحث عن وجهة الزمن,تمضي ماشية لا تعرف هل تتقدم أم تتراجع إلى الخلف,حلمها الوحيد أن تعي زمن وجودها المنهار,لترممه و تقبل به أو ترفضه,مهشمة أبوابه الموصدة, و نوافذه المغلقة,تحلم بخلاص ينجيها من اغترابها,و انسيابها عند التلاشي لأنها دون وجهة,و دون ذكرى تحتمي بها من قسوة الوحدة,و همجية العزلة المفروضة ليس بقضبان الحديد بل بما ضاع منها سرا و هي تعبر خوفها بحثا عما تبقى منها
وقف الحارس ببذلته الزرقاء و نظراته القاسية كمحارب,مختالا ببطولاته,فتح باب الزنزانة بغضب و صاح,
ـ علال السائحي,لديك زيارة,ضع يديك خلف ظهرك و تقدم ببطء,لا تلتفت و لا تتكلم,
خرج من زنزانته, و الحارس وراءه,يرشده عبر الممر الضيق,إلى أن أدخله قاعة مسيجة بقضبان,منها يطل السجناء على زوارهم و يتبادلون معهم الحديث,أصوات متعالية و نظرات شاردة و أخرى متفحصة,وقف علال يحملق
53
في الزوار حائرا إلى أن سمع اسمه,وقعت عيناه على عائشة زوجته,فاندهش,كانت تلوح بيديها,سألها و يداه ترتعشان,
ـ ماذا وقع,ألم أكن معك بالأمس و قد أخبروني أنني خرجت من السجن,فكيف عدت إليه؟
ـ أنت مسجون منذ سنتين,و سوف تغادر السجن بعد أشهر, لا تقلق,كل شيء...,
لم يكن ينصت لها, تجمد في مكانه,منسلا من بين السجناء عاد منحملا على قدميه, ساقه الحراس في صمت إلى زنزانته حاول ترتيب ما علق بذاكرته,لم يجد بها إلا صورا متعبة في شتاتها,لم يفرح بقرب خروجه من السجن,لأن حريته لن تكتمل إلا بتاريخ صراعه من أجلها,كيف يحبها و هو لم يعشها,لا يذكر دفاعه عنها ,كل ما يعرفه كان عن طريق الآخرين,حكوا له عن نفسه, حياته و عمله ,صدقهم رغما عنه ,لا يتذكر بطولاته و لا هزائمه,حياته لحظات متقطعة, لا أثر فيها لما كانه,هل يكذبون عليه؟,أم يمارون لئلا يزعجوه,كل واحد ممن قابلهم يحكون له ما يجهل,و هو تائه عن نفسه,كمعتوه في عرس يلهو,و الناس يعتقدون أنه يرقص مرحا,سأل علال نفسه بصوت عال
ـ <<من أنا,هل يمكن أن أكون مجرد وهم من عظم و لحم ,هل أنا مجنون أم عاقل,هل أعيش في عالم غير هذا العالم؟>
كان صوته يرتفع مدويا,و يداه تمسكان برأسه كأنه يريد اقتلاعه,تألم و هو يشد شعره بيديه ليتأكد أنه هو,علال الطبيب,الرجل الذي يخفف عن مرضاه آلامهم بلسانه قبل
54
عقاقير المرض, هو من كان يعين الفقراء بماله,و ينتقل إلى بيوتهم ليلا إن عجزوا عن زيارته بالمستشفى,كان ينصت لحكاياتهم عن قبيلة الذئاب,التي جن سكانها عندما شربوا ماء البئر المردوم,فتاهوا,و تمردوا قديما,تحولوا إلى قطاع طرق,بعد أن باعوا أراضيهم و تركوها,يلوثون مياه الآبار بماء البئر المردوم,لينتقل سعار الحمق إلى كل الناس,فيتركوا مساكنهم و مراعيهم و يتشردوا باحثين عما يروي ظمأهم و جوعهم,ينهبون و يقتلون,صارت القبائل أقل تسامحا مع الغرباء,و أكثر عدوانية تجاه بعضها,أخبرهم علال أن الجنون غير معدي,و أن قبيلة الذئاب ليست إلا إشاعة أطلقها أعوان الاستعمار للاستحواذ على الأراضي و تشريد أهلها,لأنهم رفضوا التعاون معهم,و بعد انسحاب المستعمر تحالف المعمرون مع حراسهم لتخويف القبائل من بعضها و شل تعاونها بملاحقة متمرديها و اعتبارهم مجانين من قبيلة الذئاب أو ممن أصابتهم عدوى الذئاب,لم يفهم الناس تفسيرات علال,لكنهم صدقوه,و تداولوا كلامه مكررا,حفظوه ,فاستاء أعيان القبائل,و لم يجرؤ أحد منهم على اتهام طبيب بالحمق لأنه كان يشفي المرضى كلهم ما عدا مرضى قبيلة وادي الثعابين لأنهم لا يصدقونه إلا لعوز,عباس واجههم,أراد أن يشفي أرواحهم المعتلة بخرافات يستكينون لها لدفع الشرور عن قبائلهم و جلب الخيرات لها بالقرابين و التبرك بأضرحة الصالحين,و لأنه من قبيلة وافدة عليهم رفضوا نزقه و تطاوله على بركاتهم الموروثة,إنهم شرفاء و هو عامي
55
مهما أوتي من علم,فالحكمة نورث كالسلطة في عرفهم,و لا يجوز للعامي أن يحدث و يرشد الناس في أمور دينهم المحتكر,لذلك كادوا له ,هو لا يشفي أمراض أجسادهم,لأنهم لا يستطيعون معها صبرا,الآلام البدنية يعترفون بها , يلجأ ون للأدوية عندما لا تجدي التمائم و طلاسم الدجالين
و السحرة,أما أمراض أرواحهم فلا يعرفون منها إلا الجنون لأن جهالتهم علم لا يجيده إلا من سخر له بالوراثة كسر لا يطلع عليه احد حتى لا يبطل فعله,فيغضب حراسه و ينتقمون ممن مسوا قداسة السر بإفشائه أو عدم تصديقه,و دفعا لهذا الضرر ,تأتي القبائل العامية لزيارة الشرفاء محملين بالهدايا مع ذبيحة ينحرونها على عتبة الضريح و توزع لحومها على الأسر لتعد بها الولائم ,تقدم للزوار المسمون خداما,راغبين في التقرب من أحفاد الولي,حافظين لسره في موسم التبرك و الدعاء,إنها عادة قديمة,لها طقوسها و هالاتها رغم ما يعتريها من صراعات خفية,يدعمها الأعيان,بحضورهم و أموالهم,ينصتون للدعاء و يتقدم أمام جماعة الشرفاء كل مظلوم ضاع حقه,يجثو على ركبتيه مطالبا بالقصاص الإلهي ممن تطاولوا على حقوقه,نساء محرومات من الأطفال عقيمات يمنين النفس بحمل يذيب كدرهم لتخصب الأرحام بأجنة طال انتظارها,ببكين ابتهالا بحرقة و شوق,ينشدن الأمومة قبل جفاف الأرحام و ترهل الأجساد المنهكة عملا و خوفا,يأخذن أتربة الضريح لنثرها على أفرشة الزواج,تيمنا بها,بل حتى الصغيرات يضعنها في الحناء لأجل الزواج ,.

تعليقات
إرسال تعليق